أخلاقيات العمل الأكاديمي

أخلاقيات العمل الأكاديمي

 بعيدا عن الأدوات والوسائل التقنية التي أضحت متاحة للجميع، وصار تعلمها وإتقانها متاحا أيضا عبر المنصات والمواقع، لابد أن نتكلم في العمل البحثي والأكاديمي عن الجانب الأخلاقي. هذا الجانب الذي فقد مكانته وموقعه لدى الكثير من الفاعلين في الميدان في غمرة الثورة المعلوماتية والتقنية التي تتفجر من جديد كل يوم! ثورة للأسف، حولت العمل الأكاديمي من مسار لتنمية المعرفة الإنسانية بغرض خدمة المجتمع الإنساني، إلى مجرد وظيفة آلية معزولة تماما عن أي خلفية نقدية أو إطار قيَميّ.
ولن نتكلم هنا عن الأخلاقيات العامة التي تحكم المجتمع البشري بعمومه، والتي لا تختلف باختلاف العرق أو البيئة أو التخصص كالصدق والأمانة وحب الخير وغيرها من القيم المرتبطة بالباحث من حيث كونه إنسانا قبل كونه باحثا أو أكاديميا. بل نركز في هذا المقال على خصوصية الأخلاقيات في الكتابة العلمية والبحث الأكاديمي والعلمي بالخصوص، مما يحدد موائمة البحث أو العمل للقيم التي من أجلها وضع الإنسان كل هذه المنظومة الشاملة للمدارس والجامعات والأكاديميات ومؤسسات البحث والمؤتمرات والمجلات العلمية ودور النشر.
ولتحديد الإطار الأخلاقي لأي عنل بحثي أو أكاديمي، نشير هنا إلى ثلاثة أسئلة رئيسة ينبغي لكل باحث أن يجيب عنها حتى يحدد موقع عمله في الخريطة الأخلاقية:
  1. السؤال الأول يوجهنا إلى القيمة المضافة لأي عمل بحثي أو أكاديمي، ويحدد القيمة في هذا العمل. هل هي الفكرة في ذاتها، بحيث يتم تقييم العمل وتحديد قابليته للنشر والتثمين بناءا على الرصيد المضاف إلى المعرفة البشرية انطلاقا من هذه الفكرة؟ أم أن أساس التثمين والتقييم هو اسم الباحث أو شكله أو عرق أو جنسيته؟ فالفرق كل الفرق بين العمل المقبول لأن الفكرة مقبولة  وبين العمل المقبول لأن الباحث مسموع.
  2. السؤال الثاني يوجهنا إلى الامتداد الطبيعي للعمل البحثي، هل هو تطبيق للواقع أو إثراء للمعرفة الإنسانية مما يرفع القيمة العلمية للمجتمع البشري؟ أم أن الامتداد الطبيعي لهذا العمل هو مجرد ترقية في المنصب، أو فتحا لنقاش عقيم أو فرقعة إعلامية وبهرجة لجلب المتابعين دون امتداد في الواقع العملي أو النظري؟
  3. والسؤال الثالث وهو الأهم، ويوجهنا إلى إيمان الباحث بعمله، فإذا كان الباحث هو المُتَلَقّي، هل سيسعى للحصول على هذا البحث ويبذل من أجله نصيبا من البحث والمال؟ و هل سيجده مفيدا ومقنعا؟ أم أنه يسختار طريقا آخر وفكرة أخرى ومنتوجا آخر. فإذا كان الباحث غير مؤمن أصلا بعمله، فهذه بداية الخيانة، ونهاية الأخلاقيات في هذا العمل.
من هذه الحيثيات، ينبغي أن ينطلق كل باحث للحكم على فكرته وعمله قبل تسويقه. فالعمل البحثي الجاد الرصين هو الذي يبني المعرفة الإنسانية النافعة وإن لم يحظ بالتغطية الإعلامية والترقية الأكاديمية، وهو الذي سيخلد ويخلد ذكرى صاحبه عبر الأجيال. وما عداه لن يعدو فقاعة هواء سرعان ما تندثر مع انطفاء حرارة اللحظة الزائفة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ترتيب الكتابة

 عند كتابة مذكرة التخرج، أو أي وثيقة بحثية أو أكاديمية، سواء كانت هذه الوثيقة مقالا، مداخلة، مذكرة أو أطروحة، فإن الترتيب الزمني للكتابة لا ...